أبو البركات يوسف البربري: العالِم المغربي الذي أسكت البحر
بقلم عبدو عبد الله
منذ قرونٍ بعيدة، وقبل أن تصبح جزر المالديف أرضًا إسلامية، كان أهل الجزر يتناقلون حكايةً قديمةً تبثُّ الخوف في كل بيت.
كانوا يعتقدون أن روحًا بحريةً هائلة تُدعى **راناماري** تخرج من أعماق البحر كلما اكتمل القمر. ولإرضائها، كان لا بد من تقديم فتاةٍ شابة تُترك وحدها في مزارٍ قائمٍ على شاطئ البحر. وما إن يطلع الفجر حتى تختفي، فلا يراها أحد بعد ذلك.
لم تكن ليلةُ القربان ليلةً عادية. كانت الأمهات يضممن أبناءهن إلى صدورهن، ويغلق الصيادون أبواب بيوتهم قبل حلول الظلام، بينما يخيم الصمت على الجزيرة كلها. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض، فقد ورثوا هذه العادة عن آبائهم وأجدادهم.
وفي تلك الأيام، وصل إلى المالديف رجلٌ قادمٌ من المغرب الأقصى بعد رحلةٍ طويلة عبر البحار. كان اسمه **أبو البركات يوسف البربري**، واشتهر بين الناس بعلمه، وحكمته، وثبات إيمانه.
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى أدرك أن الحزن يخيّم على أهل الجزر.
وفي مساءٍ هادئ، بينما كان بعض الصيادين يصلحون شباكهم عند الساحل، سألهم:
"ما الذي أثقل قلوبكم؟"
تنهد شيخٌ منهم وقال:
"غدًا يحين موعد القربان، وسيأخذ البحر فتاةً أخرى من بنات هذه الجزر."
وقصَّ عليه الشيخُ قصةَ المزار، والروح التي يخشاها الناس، والقرابين التي استمرت أجيالًا طويلة.
وفي صباح اليوم التالي، طلب أبو البركات مقابلة الملك.
استقبله الملك باحترام، وروى له ما يعرفه الجميع عن تلك العادة.
فلما انتهى، قال أبو البركات في هدوء:
"إن أذن لي مولاي، فلا ترسلوا فتاةً إلى المزار هذه الليلة، ودعوني أقضيها هناك."
نظر إليه الملك طويلًا، ثم قال:
"أما تخشى ما ينتظرك في ذلك المكان؟"
فأجاب أبو البركات:
"إنما الأعمار بيد الله."
وافق الملك، وأمر بأن تُلغى القرابين في تلك الليلة.
ومع حلول الظلام، اشتدت الرياح، وتعالت أمواج البحر وهي تضرب الصخور. ودخل أبو البركات المزار، ولم يكن يحمل معه سوى المصحف الشريف.
أما أهل الجزيرة، فقد راقبوا المكان من بعيد. لم تُشعل المصابيح في البيوت، وبقي الجميع ينتظرون ما سيحدث.
وفي داخل المزار، أخذ أبو البركات يتلو آياتٍ من القرآن الكريم طوال الليل.
ومضت الساعات بطيئة، ولم يكن يُسمع إلا هدير البحر وصفير الريح.
وحين بدأت خيوط الفجر الأولى تلوح في الأفق، انفتح باب المزار.
خرج أبو البركات سالمًا، لم يمسسه سوء.
وقف الناس مذهولين، ولم يصدقوا ما رأته أعينهم.
ومنذ ذلك اليوم، لم تُقدَّم قرابين أخرى إلى البحر.
ودعا الملك أبا البركات إلى الإقامة في الجزر، فأخذ يحدّثه عن الإسلام، ويبين له تعاليمه. وبعد أيامٍ من الحوار، أعلن الملك إسلامه، ثم تبعه كثيرٌ من أهل المالديف، حتى أصبحت الجزر كلها تدين بالإسلام.
ولا يزال أهل المالديف يروون حكاية الرجل المغربي الذي عبر البحر وحده، ودخل المزار في ليلةٍ خشيها الجميع. وسواءٌ كانت كل تفاصيل هذه الرواية من التاريخ أو من الأسطورة، فإن اسم **أبي البركات يوسف البربري** ظل حيًا في ذاكرة أهل الجزر، تتناقله الأجيال كما تتناقل أمواج البحر أسرارها.
**ملاحظة تاريخية:** تستند هذه القصة إلى روايةٍ متوارثة في المالديف. فقد ذكر الرحالة المغربي **ابن بطوطة** أن العالم الذي كان سببًا في دخول الإسلام إلى جزر المالديف هو **أبو البركات يوسف البربري** القادم من المغرب، بينما تنسب بعض المصادر التاريخية هذا الحدث إلى العالم الفارسي **يوسف شمس الدين التبريزي**. ولا يزال المؤرخون يناقشون هذه المسألة، إلا أن اسم أبي البركات البربري يبقى الأكثر حضورًا في الذاكرة الشعبية المالديفية.
### عن القصة
تستند هذه القصة إلى إحدى أشهر الروايات التاريخية في جزر المالديف، والتي تروي كيف ارتبط اسم العالم المغربي **أبي البركات يوسف البربري** بدخول الإسلام إلى الجزر. وقد أُعيدت صياغتها بأسلوب قصصي مع الحفاظ على روح الرواية التاريخية.
**إعداد وكتابة: عبدو عبد الله – MoroccoHykayat.com**