البصر والبصيرة
قصة عن حكاواتي جامع الفنى
كان يا مكان، في سالف الزمان، حيث الخير يعمّ المكان، وكانت الريشة تُغلب الميزان، وكان الشيخ يسافر البلدان، والساحة تُغني القبيلة وتُكرم الجيران، وكانت الخبزة تكفي القانع والجائع. كان وكان، حتى كان. في قرية بعيدة، طريقها وعرة، يتعب من يقصدها، ويتمنّاها من لم يزرها، لما يُحكى عنها من خير وكرم لا يُبقي أحدًا في داره. قرية الطيبين، لا حسد فيها ولا مكر، لا يعرفون العار، الضيف مكرّم، والمظلوم منصور، والمطرود فيها في أمان.
وفي تلك القرية، كان هناك نسّاج طيب، شيخ بلحيته البيضاء ولسانه الصادق وعمله المتقن، ينسج الحيك والمخابل صيفًا، والجلاليب والأغطية شتاءً. وكانت له ابنة تُشبهه خُلقًا وأدبًا، تسمع الكلام ولا تردّه، وتردّ الظالم عن ظلم أبيها. كانت عمياء البصر، لكنها كانت تملك بصيرة نافذة. عندما تدهورت صحة أبيها، تولّت الابنة الذهاب إلى السوق مكانه، تمتطي الحمارة التي تعرف الطريق، ما إن تسمع "أرّازيد" حتى تنطلق، وعندما تصل إلى السوق تقف تلقائيًا. كانت معروفة في السوق، لا يغشّها تاجر ولا يخدعها أحد. وفي المساء، تعود على ظهر الحمارة محمّلة بالبضائع، فينتظرها والدها حتى تعود، ويسرّ لرؤيتها سالمة.
وكان يقول لها كل ليلة: "الله يفرشكِ بالرضى ويغطيكِ بالرضى." فتردّ عليه: "رضاك عني يزيدني بصيرة، أرى الدنيا قصرًا ودارنا كبيرة." استمرّ الحال كذلك، الأب ينسج في البيت بما بقي له من صحة، والابنة تبيع وتشتري في السوق، وتعود في المساء بالرزق.
وفي يوم شتوي، ركبت الابنة حمارتها محمّلة بالأغطية، وقصدت السوق. وعند الغروب، قلّ ضجيج السوق، فعرفت أن الوقت قد حان للعودة. جمعت أغراضها وركبت الحمارة. في الطريق، كانت السماء تمطر بغزارة والطريق موحلًا، وصوت الرعد يصمّ الآذان. فزعت الحمارة وهربت، تجري وتجري حتى وجدت نفسها وسط الغابة، حيث الليل ليس كليل القبيلة. لم تكن الفتاة تبصر شيئًا، فنزلت تنادي وتبكي، لكن لا مجيب. ربطت حمارتها إلى شجرة ونامت هناك حتى الصباح، عسى أن يراها أحد. في الصباح، طلعت الشمس، ولم يظهر أي إنسان، فقط الطيور والريح بين الأشجار.
أما أبوها، فقد قضى الليل يفتّش عنها، ذهب إلى السوق، وسأل الجيران والأصحاب، لكن لا أحد علم بمكانها، فظن أنها وقعت ضحية للصوص طمعوا في بضائعها. في الغابة، واصلت الفتاة طريقها على ظهر الحمارة، تصرخ وتنادي، ولا من يجيب. توقفت الحمارة فجأة، فنزلت الفتاة وتحسّست الطريق بعصاها حتى لمست بابًا. فرحت وقالت: "يا أهل الدار، أنا ضريرة تايهة، أبي شيخ عاجز، لا يقدر على المصيبة." فردّت عليها امرأة عجوز من الداخل: "تفضّلي يا ابنتي، فأنا مثلك ضريرة، وابني بعيد كما أبوك بعيد."
دخلت الفتاة البيت، فوجدت العجوز تعيش مع طائر وقطة وكلب، يُعينونها على أمورها. الطائر يدلّها إلى المطبخ، القطة تنبّهها وهي نائمة، والكلب يحرس البيت. عاشت الفتاة في بيت العجوز، تعينها وتخدمها كما تخدم أمها، والعجوز عاملتها كابنتها.
وفي القبيلة، لم يهدأ والد الفتاة، وكان يرى في منامه ابنته تلعب في الغابة مع فتاة تشبهها، فذهب إلى فقيه القرية وسأله عن المنام، فأجابه: "المنام حق، وابنتك مع من يُونسها، وهي بأمان. ابنتك ستعود، لكن لا أحد يعرف مكانها." فاطمأنّ قليلاً، لكن قلبه لم يهدأ حتى يرى ابنته بعينه.
ومضت الأيام، وفي أحد الأيام اختفى الطائر، وفي اليوم التالي لحقت به القطة، وفي اليوم الثالث تبعهم الكلب، فاضطرت الفتاة إلى القيام بكل أعمال البيت وحدها. كانت الفتاة وفيّة لا تنكر الجميل، تردّ المعروف بالمعروف، كما أكرمتها العجوز. ومع مرور الوقت، بدأت العجوز تضعف وتنهكها الأمراض، ولم يكن لها من يخدمها سوى الفتاة، وكانت تداوي نفسها بالصلاة والدعاء.
وفي يوم من الأيام، نادت الفتاة وقالت لها: "أنتِ كابنتي، خدمتِني وأخلصتِ لي، ولا أملك لكِ جزاءً سوى خاتم أتركه لكِ، هو خاتم لا يأخذه إلا الصادق الأمين، كنتُ أحتفظ به لابني." بكت الفتاة لحالها وحال العجوز، لكنها لم تفقد الأمل، وكانت تقول: "من أوصلني إلى هنا، سيوصلني إلى أهلي، بالصبر والتوكّل."
وفي صباح يوم، ماتت العجوز، وبكتها الفتاة بحرقة، لا تدري إن كانت تبقى في البيت وحيدة أم تغامر بالخروج إلى المجهول. وفي اليوم الثالث، سمعت صوت حصان يقترب من البيت، ثم طرق الباب. خافت وقالت: "من الطارق؟ لعلّه لص أو غادر!" فردّ عليها: "من أنتِ أيتها الغريبة؟ هذه داري وبيت والديّ." فعرفت الفتاة أن هذا هو ابن العجوز، وفرحت بلقائه، لكنها حزنت أن أمّه توفّيت قبيل عودته. ظنّ الشاب في البداية أنها من قتل أمّه، لكنها حكت له القصة، وعرف أنها هي من رعَتها في غيابه، فهدأ قلبه.
كانت الفتاة نحيلة من الجوع، وقد برد جسدها، فعزم على ردّ الجميل كما فعلت هي مع أمه. ثم قال لها: "إن كان دواء العين الذي جلبته لأمي لم يُكتب له أن يُشفيها، فلعله كُتب لكِ. خذي هذا الماء واغسلي به وجهك وقطّريه في عينيك." فعلت الفتاة كما قال، وإذا بالنور يعود لعينيها، ورأت الدنيا لأول مرة. فرحت كثيرًا، خرجت تجري في الغابة، تشاهد الأزهار والربيع. وهكذا، صارت الفتاة الضرير ترى بعينيها، بعد أن كانت ترى ببصيرتها.
أخذها الشاب إلى قبيلتها، فعاد بها إلى أبيها الذي فرح بها أيّما فرح، وعاشت القبيلة لحظة بهجة لا تُنسى. وتزوجها الشاب نسجًا على برّها، وعاشا في خير وسلام، وتعلّم مهنة النسج من والدها. أما الفتاة، فبعد أن كانت تمشي في السوق عمياء، صارت تمشي بنور بصرها، لا تقودها حمارة، ولا يخدعها أحد. وهكذا سارت حكايتي من وادٍ إلى وادٍ، ومن بلد إلى بلد، يحكيها الأجداد للأحفاد.