حكاية بوبكر ولد البومة وابنة الصقر
حكاية من التراث الشعبي المغربي
معد لمغرب الحكايات
كان يا ما كان، في قديم الزمان، حتى كان الحبق والسوسان في حجر النبي العدنان، عليه أفضل الصلاة والسلام. حكايةٌ من فيض التراث المغربي الأصيل، تروي تفاصيلها قصص الغرور والطباع التي لا تتغير.
كان هناك بومةٌ لها ولدٌ يُدعى "بوبكر" (بتسكين الكاف)، وكان بوبكر هذا يرى في نفسه شموخ الجوارح وعزة الكواسر، رغم أنه لا يتعدى كونه "ولد بومة". اشتدّ به الطموح يوماً، فأرسل أمه إلى ملك الأجواء، الصقر الحر، ليخطب منه ابنته المصونة.
طارت البومة متهادية حتى بلغت عرين الصقر، وقرعت الباب بوجل. خرج إليها الصقر بهيبته المعهودة وسألها بنبرة حازمة:
— "ما الذي جاء بكِ يا بومة في وضح النهار؟"
أجابت بصوتٍ مرتعش:
— "جئتُ راغبةً في مصاهرتك، أطلب يد ابنتك لولدي بوبكر."
تأملها الصقر طويلاً، ثم قال بحكمة:
— "لا أزوج ابنتي إلا لمن أثبت جدارته. سأختبر ولدكِ، فإن كان نعم الصيدُ صيده، فله ما أراد."
عادت البومة إلى ولدها تملأها المخاوف، وقالت له:
— "يا بوبكر، استعدّ جيداً وأظهر شجاعتك وبأسك، فعمّك الصقر سيختبر مهارتك في القنص، فلا تخذلني."
أجابها بوبكر بنفخة كبرياء زائفة:
— "اطمئني يا أماه، فالأمر أهون مما تظنين، فأنا في كامل قوتي وعنفواني."
وعند الموعد، جاء الصقر إلى دار البومة، فخرج إليه بوبكر وهو يختال في مشيته مدعياً الثقة. قال الصقر:
— "هيا بنا لنرى معدنك في الصيد، لنخرج ونطارد الحمام."
همست البومة للصقر:
— "أرجوك يا أخي الصقر، رفقاً به ولا تقْسُ عليه في الاختبار."
رحلة القنص والغرور
حلق الصقر عالياً في كبد السماء، وتابعه بوبكر يرفرف بجناحيه مجهداً ليجاري سرعته. وبعد وقتٍ من الطيران، أبصر الصقرُ بعينه الثاقبة حمامتين ترتويان عند غدير ماءٍ صافٍ، فسأل مرافقَه:
— "هل رأيت شيئاً يا بوبكر؟"
أجاب ولد البومة وهو يحدق في الفراغ:
— "لا أرى شيئاً يا عمي الصقر، أين هما؟"
هزّ الصقر رأسه وقال في نفسه: "هذا الفتى قليل الخبرة، وبصره كليل في الضياء". ثم أشار له بوضوح:
— "انظر عند ذاك الغدير."
قال بوبكر حينها: "آه.. الآن أراهما، حمامتان تشربان."
قال الصقر: "انزل فاصطدهما."
تلعثم بوبكر وقال بجبنٍ مستتر: "بل انزل أنت أولاً لأتعلم منك."
انقضّ الصقر كالسهم المارق، ولم تمر لحظة حتى كان قد قبض على حمامته واصطادها ببراعة. ثم عادا للتحليق مجدداً، وانتظرا حتى حطت حمامتان أخريان عند الغدير. قال الصقر:
— "الآن دورك يا بوبكر، أرني شطارتك."
انطلق بوبكر مندفعاً نحو الأرض، لكنه عوض أن يصيب الحمامة، أخطأ الهدف رشقاً بمنقاره في الوحل اللزج على ضفة الغدير! غاص رأسه وتخبطت أجنحته في الطين حتى عجز عن الحراك.
المحنة والنجدة
انتظر الصقر طويلاً ولم يظهر بوبكر. بحث عنه هنا وهناك، وإذا بمجموعة من الأطفال قد وجدوا "الطائر الغريب" غارقاً في وحله، فأمسكوا به وجعلوه لعبةً يتراشقون بها من يدٍ إلى يد. أخذ الصقر حمامته وانصرف، فالحر لا يرضى بالهوان.
جاءت البومة تسأل بلهفة:
— "أين تركت ولدي يا صقر؟"
أجابها ببرود: "تركته في الغدير، نزل ليصطاد ولم يصعد، فمضيتُ في سبيلي."
جنّ جنون الأم وصاحت:
— "لا أريد زواجاً ولا مصاهرة، أعد لي ولدي فقط! أحضره لي من حيث كان!"
حنّ قلب الصقر، فطار وحلق عالياً حتى لمح بوبكر بين أيدي الأطفال، فكَرَّ عليهم بضربة جناحٍ خاطفة واختطفه من بينهم كالنجمة الساقطة، ثم وضعه أمام أمه. سأله الصقر مستنكراً:
— "ما الذي حلّ بك يا بوبكر؟ وكيف صرت لعبةً للأطفال؟"
رد بوبكر بكل وقاحة وادعاء وهو ينفض الغبار عن ريشه:
— "لقد كنت أريد أن أصطاد الحمامتين معاً في آنٍ واحد، فتعثرتُ من فرط طموحي!"
صمت الصقر طويلاً، ولم يجد ما يرد به على هذا الغرور الأعمى، والتفت منصرفاً وهو يتمتم في نفسه بحكمة الأجداد:
"ما يمكن لولد البومة يرجع صقر.. والحر حر، ولو جار عليه الزمان."
وهنا انتهت حكايتنا، سارت من وادٍ إلى واد، وبقينا نحن مع الناس الأجواد.