قصة التاجر وجني البئر
قصة من التراث المغربي
في أعالي وديان درعة تافيلالت، حيث تهمس الرياح بأسرارها بين سعف النخيل وتلفح الشمس الصخور، يحكي الأجداد قصة "أحمد" التاجر وجني البئر.
كان أحمد تاجراً جاب القرى والمدن، واشتهر بين الناس بفطنته وحِدّة ذكائه، وسلاطة لسانه التي لا تُجارى. وفي زوال يومٍ شديد الحرارة، بينما كان يقطع الفيافي تحت شمسٍ لا ترحم، جفّ حلقه حتى صار كالتنور. لمحه من بعيد بئرٌ حجرية قديمة، توارت في ظل شجرة أكاسيا (طلح) ملتوية الأغصان.
هبّ أحمد نحو البئر وأدلى بدلوه، لكنه حين سحب الحبل لم يجد ماءً؛ بل وجد قنديلًا نحاسيًا ثقيلًا غطاه الصدأ. مسح الغبار عن سطحه بطرف كمه، وهو يمني النفس ببيعه مقابل بضع قطع نحاسية في السوق.
فجأة، تحولت السماء إلى لون الأرجوان القاتم، واهتزت الأرض من تحته، وانبعث من فوهة القنديل عمود هائل من الدخان، تشكل منه جنيّ مهيب، عيناه تتوهجان كالجمر المشتعل.
زمجر الجني بصوتٍ يشبه اصطكاك الصخور: "لقد تحررتُ أخيرًا! وجزاؤك أيها التاجر هو الموت. ولكن، لأنك من أطلق سراحي، سأمنحك رحمةً واحدة: اختر الطريقة التي تفضل أن تهلك بها!"
خفق قلب أحمد بشدة، لكنه لم يركع ولم يظهر عليه الوهن. أخذ نفساً عميقاً، ورسم على وجهه ملامح الشك والتعجب، ثم أطلق ضحكة ساخرة.
قال أحمد وهو يكتف يديه: "يا له من أمر مذهل! جنيّ حقاً؟ لكن لا بد أنك واهم أو تخدعني. أنت عملاق جداً، ومن المستحيل أن يتسع لك هذا القنديل الصغير الضيق. لا يعقل أنك كنت تعيش بداخله!"
استشاط الجني غضباً، وجُرح كبرياؤه أمام تشكيك التاجر، فصاح: "أتتحدى قوتي؟ أتشك في قدرتي على التحول؟"
أجاب أحمد بهدوء وثبات: "أنا رجل أؤمن بالمنطق والبرهان، ولن أصدق عينيّ حتى أرى ذلك يحدث أمامي."
هنا، وكي يثبت الجني عظمته، صرخ قائلاً: "إذن انظر وارتجف!"
استحال الجني إلى دوامة من الظلال والدخان، وبدأ يتقلص وينكمش حتى انزلق بالكامل داخل القنديل. وفي تلك اللحظة الخاطفة، وبسرعة البرق، تناول أحمد سدادة جلدية ثقيلة كانت بجانب البئر، وحشرها بقوة في فوهة القنديل، ثم ألقى به بكل ما أوتي من عزم في غيابات البئر المظلمة السحيقة.
مسح أحمد العرق عن جبينه، وأمسك عصاه، وتابع رحلته في صمت. كان يعلم يقيناً أنه في الصحراء، كما في الحياة، الفطنة والنباهة خيرٌ من كل كنوز أسواق تافيلالت.