رأس الجمل
بقلم عبدو عبد الله
في زمنٍ بعيد، حيث كانت القرى صغيرة والناس يعيشون على ما تجود به الأرض من ماءٍ وعرق، كان هناك شابٌّ قويّ الجسد، صبور القلب، لا يعرف التذمر، لكن يعرف جيدًا طعم التعب. كان يعيش مع زوجته في كوخٍ بسيط لا يكاد يقيهما برد الشتاء ولا حرّ الصيف، ومع ذلك كانا يتقاسمان الرضا ويصنعان من القليل حياة.
كان الشاب يعمل في حفر الآبار. مهنة قاسية لا يثبت فيها إلا من اعتاد مواجهة الصخر كما يواجه الإنسان قدره. كان ينزل إلى أعماق الأرض كل يوم، يضرب المعول في الصخر مرارًا حتى تتعب يداه، بينما أهل القرية ينتظرون فوقه بصبر، وكأنهم ينتظرون الحياة نفسها تخرج من تحت التراب.
في أحد الأيام، وبينما كان في قعر بئرٍ عميق، وقد اختلط العرق بالتراب على وجهه، اصطدم معوله بشيء مختلف. صوتٌ غير صوت الحجر. توقف للحظة، ثم ضرب مرة أخرى بحذر. أزاح التراب بيدين مرتجفتين من التعب والفضول، فظهر له شيء يلمع بخفوت تحت ضوءٍ ضعيف يتسلل من الأعلى.
اقترب أكثر، وكلما أزال التراب اتضح الشكل أكثر… حتى ظهرت ملامح رأس جمل، منحوت بإتقان غريب، وكأنه خرج من يد فنانٍ عاشقٍ للتفاصيل. رفعه بين يديه، فشعر بثقلٍ غير عادي. وحين مسح عنه التراب الأخير، لمع الذهب تحت الضوء، لمعانًا لا يخطئه قلب.
تجمد للحظة. لم يكن يفكر في الذهب، بل في معنى هذا الشيء الذي بين يديه. ثم بدأ قلبه يسبق عقله، وقال لنفسه بصوتٍ داخلي خافت: انتهى كل شيء… لن أعود إلى الحفر مرة أخرى.
لفّ التمثال بثوبه، وخرج من البئر وهو لا يشعر بتعبه كما كان، كأن الأرض نفسها خفّت عنه فجأة.
عاد إلى كوخه في المساء، أغلق الباب بإحكام غير معتاد، وجلس أمام زوجته يفتح الغطاء ببطء. حين رأت التمثال، اتسعت عيناها، ليس من الفرح فقط، بل من الدهشة والخوف في آن واحد.
قال لها بصوت منخفض:
"هذا سرّ بيننا… لا أحد يجب أن يعرف."
هزّت رأسها في البداية، لكنها لم تكن تنظر إلى الذهب كما نظر إليه. كانت تفكر أبعد. وبعد صمت طويل قالت بهدوء محسوب:
"لماذا نخفيه؟ هذا ليس كنزًا يُخفى تحت التراب. هذا شيء يمكن أن يرفعنا. إن أخذته إلى الملك، لن يعطيك مالًا فقط، بل مكانة… وقد تغيّر حياتنا كلها."
سكت الرجل. لم يكن القرار سهلاً. كان يريد الأمان، لكن كلمات زوجته فتحت بابًا آخر في عقله، باب الطموح الذي لم يزره من قبل. شيئًا فشيئًا، بدأ صوت الحذر يضعف داخله.
وفي صباح اليوم التالي، حمل التمثال وخرج نحو القصر.
كان القصر مختلفًا عن كل ما رآه في حياته؛ أبواب عالية، وحراس لا ينظرون إلا بجدية، وأرضية تلمع تحت الأقدام كأنها لا تعرف الغبار. وبعد انتظار طويل، أُذن له بالدخول.
وقف أمام الملك، ويده ترتجف قليلًا، ليس خوفًا فقط، بل ثقل القرار الذي يحمله. ثم قال:
"يا جلالة الملك، وجدت هذا أثناء حفر بئر… إنه رأس جمل من الذهب الخالص."
في لحظة واحدة، تغير الجو في القاعة. رفع الملك نظره ببطء، ثم اقترب من التمثال دون أن يلمسه، يتأمله بصمت طويل. كان الصمت ثقيلًا لدرجة أن الرجل بدأ يسمع دقات قلبه.
ثم رفع الملك عينيه إليه وسأله بهدوء غريب:
"رأس جمل…"
توقف لحظة، ثم أكمل:
"وأين بقية الجسد؟"
تجمد الرجل. لم يكن السؤال منطقيًا بالنسبة له، لكنه بدا منطقيًا تمامًا في عقل الملك. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات لم تخرج كما يجب. ارتبك، تلعثم، ولم يجد تفسيرًا يقوله.
لم يحتج الملك أكثر من ذلك. أشار للحراس وقال ببرود:
"خذوه."
العبرة: أحيانًا لا يضيع الإنسان بسبب الفقر، بل بسبب قرارٍ لم يُفكَّر فيه جيدًا، وطمعٍ لبس ثوب الأمل.