كان يا ما كان، في قديم الزمان، حتى كان الحبق والريحان، والزهر في الكيسان، والخير في كل مكان. يُحكى أنه في أعالي جبال الأطلس الشامخة، حيث يلامس العرعر كبد السماء ويغطي الثلج القمم كشيبٍ وقور، كانت تعيش فتاة تُدعى كنزة. لم ترث كنزة عن أهلها ذهباً يُكنز، لكنها ورثت عزة نفسٍ تزن الجبال، وصوتاً لو غنّت به في الشعاب، لسكنت الريحُ حياءً، ولانحنت شقائق النعمان طرباً. كانت تقضي يومها بين رعي الغنم ونسج الصوف، تملأ جرارها من عيون الماء الباردة، والكل في "الدوار" كان يقول: "هذه الصبية خُلقت لتمسح الحزن عن القلوب".
لكن الدنيا لا تسير دوماً على هوى القلوب؛ ففي ليلةٍ انكسر فيها ضوء القمر خلف سحابٍ أسود، أغارت عصابة من لصوص الفيافي على القرية. وسط صراخ الصغار ودخان النيران التي التهمت "الخيم"، سُحبت كنزة مقيدة بالحبال. بكت حتى جفت مآقيها، وهي ترى قمم جبالها تصغر وتغيب، لتجد نفسها في نهاية الرحلة وسط مدينة مراكش بأسوارها الحمراء التي تشبه لون الحناء، وزحامها الذي يُذهل العقل. هناك، وقف "النخاس" يساوم على شموخها، فاشتراها كبير خدم القصر، لتتحول من "لؤلؤة الجبل" إلى خادمة في ردهات قصر السلطان مولاي المنصور.
دخلت كنزة القصر، لكن روحها ظلت هناك فوق القمم. كانت تقضي نهارها تسقي الورد وتملأ "الخصّة" بالماء، ويداها اللتان اعتادتا ملمس الصوف الخشن، صارتا تشذبان شجر الرند. أطبقت صمتاً طويلاً، حتى صار الخدم يتهامسون: "هذه الفتاة جسدٌ بلا روح". لم يكن يكسر وحشتها إلا ميمون، فتى المطبخ الذي يسبقه لسانه بكلمات المزاح. كان ميمون يراقبها وهي شاردة، فيضع في طريقها حبة فاكهة أو يلقي نكتة عابرة، محاولاً أن يسرق منها ولو ابتسامة شاحبة، كان يقول لها: "يا كنزة، السجن سجن العقل لا سجن الأسوار، فكي عنك هذا الصمت قبل أن يأكلك".
وفي ليلة ربيعية، فاح فيها عبق الزهر حتى سكرت الأرواح، كان السلطان المنصور جالساً في شرفة قصره، مثقلاً بهموم الحكم وظلم العباد. فجأة، انبعث من عتمة الحديقة صوتٌ هزّ أركانه؛ كانت كنزة تسقي الزهور وتناجي طيف أمها بموالٍ أمازيغيّ عتيق، يمتزج فيه وجع الفراق بكبرياء الأحرار. سكت السلطان عن الكلام، وشعر كأن يداً حانية تمسح عن قلبه تعب السنين. حاول أن يبصر صاحبة الصوت، لكن كنزة أحست بوقع أقدامه، ففرت كالغزالة المذعورة، تاركةً وراءها "خاتماً من فضة" مرصعاً بالمرجان، هو كل ما تبقى لها من حضن أمها.
في الصباح، انقلب القصر رأساً على عقب. أمر السلطان "السي الهاشمي" بالبحث عن "صاحبة اللحن"، فامتحن الجواري كلهن، لكن لم تستطع واحدة منهن أن تصل إلى ذاك الشجن الصادق. كنزة، من جهتها، انزوت في ركنها، تخفي يدها العارية وقلبها المرتجف. ميمون، بذكائه الفطري، لاحظ قلقها وبحثها المستميت في التراب، فاقترب منها وهمس في أذنها: "البلبل الذي سحر السلطان قد ترك أثره يا كنزة.. الخاتم معي، والسر في مأمن، لكن إلى متى سيهرب الصوت من صاحبه؟".
تداخلت الخيوط، وبدأت المؤامرات تحاك؛ فهذه خادمة تدعي الزور، وتلك تغار من جمال كنزة الخفي. وفي لحظة حاسمة، وجد ميمون أن الوقت قد حان لرد الجميل لصديقته، فأوهمها بأن القصر خالٍ، وما إن بدأت تغني لتخرج ما في جوفها من قهر، حتى وجد السلطان نفسه وجهاً لوجه معها. لم ينظر السلطان إلى ثيابها البسيطة، بل نظر إلى الخاتم في يد ميمون وإلى الدمعة الحائرة في عين كنزة.
أدرك السلطان حينها أن القدر لم يأتِ بهذه الفتاة لتكون خادمة، بل لتكون درساً في العزة. لم تنتهِ الحكاية بزواجٍ أسطوري فحسب، بل بقرارٍ من السلطان بردّ الاعتبار لكل مظلوم، وبإرسال قافلة تعيد كنزة إلى أهلها معززة مكرمة. تعلم الجميع في القصر أن المعدن الأصيل لا يغيره قيد، وأن أجمل الألحان هي تلك التي تُعزف على أوتار الوجع الصادق. وهكذا، ظلت حكاية "كنزة وميمون" تُروى في "الحلقات"، تذكر الناس بأن الفجر يولد دائماً من رحم العتمة، وأن الصوت الحر لا تحبسه الأسوار.