النساج وسيدة الوادي: أسطورة من عبق المغرب
في أعماق جبال الريف، حيث تكتسي مدينة "شفشاون" بلون السماء، عاش نساج بسيط يدعى "حمزة". لم يكن حمزة يملك جاهاً ولا مالاً، لكنه كان يملك أنامل تغزل من الصوف "جلاليب" تحكي قصص الأرض، وقلباً يتسع للغريب والفقير.
اللقاء الغامض
في ليلة غاب قمرها، كان حمزة عائداً من قرية بعيدة، يمر عبر طريق تحفه أشجار الزيتون وظلال الجبال. فجأة، هبت نسمة باردة محملة برائحة زهر البرتقال، وسمع خرير ماء ينساب من نبع مهجور. وهناك، تحت ضوء النجوم الخافت، رأى امرأة تجلس على صخرة مرمرية.
كانت فائقة الجمال، ينسدل شعرها كالحرير الأسود، وترتدي فستاناً يتلألأ كأنه نُسج من زبد البحر. خفق قلب حمزة، فقد أدرك أنه ليس أمام بشر، بل أمام "عائشة قنديشة"؛ تلك الروح الأسطورية التي تسكن الحكايات المغربية منذ الأزل.
تسمر حمزة في مكانه، وبينما كانت تنهض، لمح تحت طرف ثوبها حوافر ماعز بدل القدمين، وهي العلامة التي لا تخطئها العين في الميثولوجيا المغربية.
اختبار الحكمة
نظرت إليه عائشة بعينين يشع منهما بريق غريب وقالت: "يا نساج الخيوط، لقد سمعتُ أنك تنسج الجمال، فهل تملك في عقلك ما يضاهي جمال صنع يديك؟ سأطرح عليك ثلاث أحاجٍ، إن أصبت، نلتَ خيراً وفيراً، وإن أخطأت، صرتَ أسيراً تغزل لي في مملكة الظلال إلى الأبد."
انحنى حمزة بأدب وقال: "اسألي يا لالة عائشة، فالحكمة هبة من الله."
اللغز الأول: "ما هو الشيء الذي هو أسرع من الريح، ومع ذلك لا يغادر مكانه أبداً؟"
أجاب حمزة بيقين: "إنه الفكر يا سيدتي."
اللغز الثاني: "ما هو الشيء الذي يزداد غنىً كلما أخذتَ منه؟"
أجاب بعد برهة: "إنه بئر الماء، كلما غرفنا منه، تجدد نبعه وطاب ماؤه."
اللغز الثالث: "ما هو أقوى سور في المغرب، رغم أنه لا يُبنى من حجر؟"
ابتسم حمزة وقال: "إنه الكرم؛ فمن دخل بيت مغربي ضيفاً، كان في أمانٍ لا تمنحه القلاع."
المكافأة والسر
تعالت ضحكات عائشة قنديشة كأنها صدى شلالات "أقشور"، وقالت: "لقد صدقتَ يا ابن الأرض." ثم غطست يدها في ماء النبع وأخرجت منه حفنة من طين مبلل وضعتها في كفي حمزة، وقبل أن يرمش، اختفت بين الضباب.
عندما عاد حمزة إلى بيته، لم يجد في كفيه طيناً، بل وجد خيوطاً من الذهب الخالص. لم يترك حمزة مهنته، بل ظل يغزل أرقى الثياب ويوزع ريعها على المحتاجين، فصار يُقال في المدينة إن من يخلص في عمله ويحفظ كرامة الناس، تفتح له "سيدة الوادي" كنوز الدنيا.